محمد حسين الذهبي

572

التفسير والمفسرون

في هذه الأرض ، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ، ويعطى استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما ، هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك ، وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض . وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شئ في هذه الأرض ، وانتفاعه به في استعمارها ، وعرض الأسماء على الملائكة ، وسؤالهم عنها ، وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته . وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ، ينتفع في ترقية الكون بمعرفة سنن اللّه تعالى في ذلك . وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر ، وإبطال داعية خواطر السوء ، التي هي مثار التنازع والتخاصم والتعدي والإفساد في الأرض ، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم ، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشرى « 1 » ) اه . والذي ينظر في هذا التأويل الذي جوزه الشيخ ، وفي سياق الآية وألفاظها وما فيها من محاورة ومقاولة ، لا يسعه إلا أن يرده ، وإن حاول قائلة أن يروج له يجعله الأوامر التي وردت في الآية من قبيل الأمر التكويني ، لا الأمر التكليفي . موقفه من السحر : ولقد كان من أثر إعطاء الأستاذ لنفسه الحرية الواسعة في فهم القرآن الكريم ، أنا نجده يخالف رأى جمهور أهل السنة ، ويذهب إلى ما ذهب إليه المعتزلة ، من أن السحر لا حقيقة له ، ولذلك عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 4 ) من سورة الفلق « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » نجده بعد أن يفسر معنى النفث والعقد ، يفسر المراد بالنفاثات في الآية فيقول : ( المراد بهم هنا هم النمامون ، المقطعون

--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 281 - 282 .